كانت هذه المرأة تعمل في الطريق معظم الوقت على مدى الخمسة وعشرين عاما الماضية أو ما يقارب ذلك، معبرة عن الحياة من خلال القماش والنسيج. المعرض الحالي يأتي بعد أربع سنوات من آخر معرض لهذه الفنانة في كوريا المُؤسَّس في نيويورك بعنوان "كيم سوجا - أرشيف العقل". تبين تسعة أعمال معروضة في المتحف الوطني للفنون الحديثة والمعاصرة في سيول العاصمة، تبين أن أشغال الإبرة التي تقوم بها تقترب من أصل البشر.
"أرشيف العقل" ( 2016 )، من قبل "كيم سو-جا"، هو تركيب لمشاركةالجماهير، يتألف من طاولة بيضاوية قطرها 19 مترا. أفرادالجمهور يعجنون الطين على الطاولة ويستمعون إلى برنامج "ميدانالاكتشاف"، وهو أداء صوتي من 16 قناة.
صورة "كيم سوجا" تلفت الأنظار في أي مكان تظهر فيه. وهي حين ترتدي الملابس الطويلة السوداء، وشعرها مربوط ببساطة، تبدو وكأنها متقشفة تبحث عن الحقيقة. يكشف النمط البسيط للفنانة التي قاربت الستين بشكل واضح تماسك وانسجام عالمها الفني. وهي تجلس على كومة من الرزم المربوطة، وعلامتها التجارية "يوتاري"، فقد تجولت وأبحرت في هذا النمط مثل راهب بوذي حول المدن الرئيسية في العالم، وقد دارت حول العالم عدة مرات.
في أول معرض لها مخصص لأعمالها فقط في كوريا منذ فترة طويلة، تُراجع كيم آثار 30 سنة من المهنة وتضعها بحسب ترتيب حدوثها. بشكل خاص، يبدو أنها تعبت من سؤالها كيف ترسم مشاركة المشاهدين وتتواصل معهم بشكل طبيعي. وبتركها المنصب أو المركز كفنانة دولية مشهورة، تسافر طيلة السنة بناء على برنامج محموم مزدحم لا راحة فيه، فهي تحمل يدا للزوار، مفترضة أن يأخذوا الوقت الكافي للتفكير في السؤال: "ما الذي يجعلني منغمسة جدا في عملي؟"
الجلوس على كومة من أقمشة البوطاري
العمل الأول الذي جعل لهذه المرأة "كيم سوجا" بصمة فنية في مشهد عالم الفن كان "شاحنة بوطاري". كان الفضل للمصور "جو ميونغ-دوك" الذي جعلها مشهورة للعالم بصورته التي التقطها لها والتي تعتبر معلما بارزا في حياتها، وهي تجلس على كومة من أقمشة البوطاري، وظهرها للكاميرا. رفعت هذه الصورة خبرات فنية لامرأة واحدة من مكان عام تربط وتغلف فيه الأشياء إلى مفهوم فنانة فريدة في ربط البشر. بالنسبة لكيم، التي تصور وتصف الناس من خلال القماش، فإن الإبرة هي أداة في يدها ولكنها امتداد لجسدها - في الواقع، هي امتداد لقلبها. تتذكر كيم اللحظة التي واجهت فيها الإبرة أول مرة: "عندما كنت أدرز وأخيط لحافا مع أمي، أدركت من خلال حركة الإبرة، المسيرة الطبيعية للحياة والموت، الشهيق والزفير، والإين واليانغ".
بدأتْ منذ عهد قريب البحث عن معنى أعمق للحياة عندما كانت طالبة فنون في جامعة "هونغ إيك". تقول: "قررت أن أصبح فنانة لأن هذه هي الطريق التي من خلالها يمكنني أن أعيش حياتي متأملة في معناها الأعمق." متأملة كيفية إظهار بنية العالم أفقيا ورأسيا، على سطح ذي بعدين، فإن التعامل مع الخياطة أصبح الدليل المؤشر إلى الكشف عن هذه المهمة. الخصائص المميزة لقماش البوطاري أنه - يكون ثنائي الأبعاد عندما يبسط ولا يطوى، وثلاثي الأبعاد عندما يكون ملفوفا- جعلها الأداة الفعلية والمفهوم بالنسبة لكيم، التي أرادت أن تحتضن كل جانب من الجوانب البشرية من خلال شهامتها، ومرونتها وتنوعها.
"اسمي سوجا له نفس الصوت عند نطقه بالكلمة الهندية التي تعني "الإبرة"، هكذا تقول كيم. ثم هل أصبح الخيار مصيريا؟ اعتبرت كيم نفسها إبرة عندما تتنقل عبر وسط المدينة في تضارب وتنازع. عقب سلسلة البوطاري، فإن عملها اللاحق على سلسلة "امرأة إبرة"، و"امرأة مرآة" جعلها واحدة من أكثر الفنانين انشغالا في العالم.
حياة هائمة على وجهها
ما الذي يمكن أن يكون المقياس الأكثر اعتمادية للحكم على شهرة الفنان الدولية؟ في الماضي، كان الأمر مرتبطا بالأسعار التي يمكن أن يحصل عليها الفنان في المزادات أو سوق الفنون. والآن هناك معيار آخر: عدد الأميال التي تقطعها مسافرة في أنحاء العالم. الفنانات والفنانون المشاهير يتنقلون طيلة العام في العالم للمشاركة في المعارض الدولية وصالات العرض الشهيرة. تنعكس هذه الحياة المحكوم عليها بالتنقل الدائم في الفن بطريقة معينة.
"كيم سو-جا" تقف أمام العمل المبثوث بالفيديو"الأرض، الماء، النار، الهواء"، ركبت ست قطعمن هذه السلسلة على جدار حفظ الزيوت في محطة"يونغكوانغ" للطاقة الذرية (محطة هانبيت للطاقة الذريةحاليا) في 2010 .
لدى "كيم سوجا" برنامج عمل مضغوط، تمضي خمسة أشهر من السنة في نيويورك، حيث استقرت هناك منذ 1999، وشهرين في سيول وباريس، والشهور الخمسة الباقية تسافر من مدينة إلى مدينة للمعارض الحصرية بفنان واحد والمعارض التي تدعوها لحضورها. تقريبا كل أسبوع، يتلقى صحفيو الفن رسائل بريد إلكترونية من ستوديو "كيم سوجا"، يخبرهم فيها بالمعارض والعروض الجديدة.تستلهم كيم أعمالها وتطورها من أفكار وأدوات تأخذها معها في أسفارها؛ جوهر العمل هو الناس الذين تقابلهم وتتعامل معهم على الطريق. من خلال الناس الذين هم الوسط الذي تعمل فيه، نشأت هذه الفنانة أيضا. تقول إن عملها يتميز "بالمكانية، والروحانية والهوية"، ولكن القوة المركزية هي الناس والمستقبل الذي يوجدونه. التركيب المكون من "التراب والماء والنار والرياح، المقدمة في شهر سبتمبر 2010 في محطة الطاقة النووية في مدينة يونغ كاونغ، مقاطعة جوللا الجنوبية، هو نوع من أعمال الفيديو التي تتناول واقعية شبه الجزيرة الكورية، التي هي غير آمنة من تهديد استخدام الأسلحة النووية. من خلال محطة الطاقة النووية، التي تشتمل على المعنى المزدوج وهو قوة الطاقة النووية والبديل المستقبلي المحتمل لحل مشاكل الطاقة، تكشف الفنانة عن منظور البدو وترسل رسالة مؤداها "اعتمدوا على الطبيعة ودورة الأرض، والماء، والنار، والرياح."
قطع حواف القلب
عند دخول معرض "أرشيف العقل" (من 27/07/2016 حتى 06/02/2017)، يواجه الزوار بطاولة بيضاوية عملاقة قطرها 19 مترا. وهي طاولة كبيرة جدا لا تتسع لها غرفة، ويمكن أن تُرى الطاولة على أنها صورة العقل أو المجرة، وذلك بحسب منظور الشخص الذي ينظر إليها. يمكن أن يأخذ الزوار لهم مقاعد عند الطاولة ويعجنوا كرة من الطين، ويحسوا بأيديهم ملمس التراب، شيء ما نادرا ما تمكنوا من عمله عند دحرجة الطين في مختلف الاتجاهات، ربما يفكرون ويقولون، "لماذا علي أن أصنع كرة فقط؟" ولكن الفنانة تعبر عن مقاصدها بهذه الطريقة من المشاركة.
"كائن استنتاجي" ( 2016 )، مرآة من فولاذ، دهان،نصف قطرها 1.5 م وارتفاعها 2.45 م- مرآة10×10 م.
كما قالت في الجلسة موضحة أعمالها، "إنه مكان يمكنك أن تفرغ قلبك فيه وتقطع حوافه لتتسع دائرته." هناك العديد من الحواف والحدود في شؤون البشر. نهايات الصراعات والتقسيم تقود إلى الرعب والحرب. العمل الدوراني للمس كرة الطين ودحرجتها باليدين يؤدي بالزوار إلى أن ينظروا إلى حالتهم الداخلية. وهذا يمكنهم من الشعور بشيء في احتكاك راحتي اليدين. إحساس باللمس البدائي الفطري وحركات اليدين المتكررة التي تلف الفراغ، تحضر فجأة الوهم المستدير للعدمية. تضيف كيم قائلة، "في الهند يصنع الناس المرايا بتجليخ وتلميع الحجارة السوداء."
عمل الأداء الصوتي الجديد "بسط الكرة"، المعروض إلى جانب قطعة عنوان المعرض، يذهل الجمهور بالإحساس الكوني بالفراغ الذي يتفق مع صورة سطح الطاولة التي تتناثر عليها كرات من الطين.
آثار الجسم
"دراسة عن الجسم" ( 1981 )، صور بالشاشة الحريريةمن أداء كيم الخاص بها في سلسلة كل صورة منها مقاس55.5×54.5 سم.
تتألف "هندسة الجسم الفراغية" من سجادة لممارسة اليوغا على الحائط. وهي التي استخدمتها الفنانة طيلة العشر سنوات الماضية، مكرسة نفسها للتمرين. إنها نوع من "رسم صورة للجسم" مع آثار لمسة اليدين والقدمين، والعرق والدموع التي أحدثت التغيير في المادة. الحصيرة هنا ليست شيئا جاهز الصنع من النوع الذي كان يستخدم في الفن منذ فترة طويلة الآن، ولكنه "شيء مستخدم"، والذي يعني ويعكس آثار الجسم. أوجدت آثار الجسم مفهوما جديدا للرسم.
منذ أن قررت أن تصبح فنانة، تمعنت "كيم سوجا" في السؤال عن الرأسي والأفقي. "دراسة عن الجسم" من سنة 1981 هي تعبير بصري مرئي عن هذا السؤال من أيام الفنانة الأولى. في هذه السلسلة المكونة من 45 صورة سيلك سكرين (الشاشة الحريرية) من أدائها الخاص بها، يبدو الجسم أنه القاعدة التي منها تدرك وتفهم نفسها والعالم، وكذلك أصول وجذور أعمالها.
"نَفَس واحد" هو قطعة مطرزة رقمية تسجل موجات الشهيق والزفير. أعطت الفنانة قالب البناء والشكل للتنفس كحالة لبقاء البشر وذلك بدفع الإبرة خلال القماش. بالنظر إلى دورة التنفس المطرزة على قماش الساتان، يتساءل المرء حول الحد بين الحياة والموت. بني هذا العمل على رسم الموجات الصوتية في "مصنع النسيج"، وهو أداء صوت التنفس الذي عرض سنة 2004.
"الكائن الاستدلالي الاستنباطي"، ذراعان ملقاتان وحدهما على طاولة خشبية، يبدو فجأة وحيدا. هل لأنه يمثل الفراغ؟ الإبهام والإصبع الشاهد في كل يد من يدي الفنانة في امتداد ذراعيها تلمسان بعضهما.
"كيم سو-جا" فنانة معروفة بالبوطاري (قماش تقليدي)حيث لفتت الانتباه إلى عملها دوليا لأول مرة وكذلكمحليا بجلوسها على حمولة كاملة من البوطاري فيشاحنة للسفر حول العالم.
قلة من النساء ينسجن شيئا ويَحْلِلن نسيج شيء، مُسخِّراتٍ أنفسهن كإبر لحمية. ربما كان هذا كل شيء لمسيرة البشرية التي تسير فيها- حيث إنها نُسجت في الطبيعة، تتنفس الهواء وتخرجه، وتتغلغل في الفراغ.
من قماش البوطاري إلى الأنثروبولوجيا
"طرق الخيوط 2016 ،"V ، صورة ساكنة، فيلم 16 مم،صوت، مدته 21 دقيقة و 48 ثانية.
خاتمة المعرض هي الفصل الجديد (الفصل الخامس) من العمل الذي جاء على شكل سلسلة بعنوان "طرق الخيوط" والذي عرض لأول مرة. أثناء سفرها حول العالم، منذ 2010، كانت كيم تصنع سلسلة أفلام وثائقية من قياس 16 ملم بعنوان "طرق الخيوط"، وقد اكتمل الآن التركيب الخامس من أصل ستة تركيبات. استكشاف ثقافة النسيج، موضوع تابعته الفنانة طيلة حياتها، مشمول في فيلم فيديو لمدة 21 دقيقة و48 ثانية. وقد تم تصوير الفيلم في محمية للهنود في منطقة ولاية نيو مكسيكو (الولايات المتحدة الأمريكية)، حيث يعيش شعب كل من "نافاهو" و"هوبي"، وهما السكان الأصليون للقارة الأمريكية. سمى النقاد هذا العمل "قصيدة مرئية دون سرد"، و"الأنثروبولوجيا المرئية."
في سهلٍ ناءٍ يثير الخيالات حول مصدر البشرية، وأطلال خشنة مرتبطة بالعصر الحجري، ومرتفعات صخرية عالية، والأفق، كلها تكشف عن نفسها كقاعدة وأساس للكتان. قلة من النساء ينسجن شيئا ويَحللن نسيج شيء، مسخرات أنفسهن كإبر لحمية. ربما كان هذا كل شيء لمسيرة البشرية التي تسير فيها- حيث إنها نسجت في الطبيعة، تتنفس الهواء وتخرجه، وتتغلغل في الفراغ.
المرأة الخياطة الصغيرة التي اعتادت على أن تخيط قماش البوطاري، أصحبت امرأة عظيمة للإبرة تخيط الأرض، وتسافر إلى المجرة اليوم كما اعتادت دائما.