نشرت عالمة الجغرافيا الفرنسية فاليري جوليزو كتابها المشهور «جمهورية الشقق» عام 2003، وفي كتابها هذا وصفت الشقق الكورية بأنها رمز إلى «التحديث المضغوط» و»التحالف الثلاثي بين الحكومة والشركات العائلية العملاقة المسماة بـ»تشي بول» والطبقة الوسطى». والشقق الكورية متجانسة في الشكل وأسلوب العمارة، وهي موضع الإعجاب والانتقاد في آن واحد.
"حي آب غو جونغ" )1978م( للفنان جون مين-جولتقطت هذه الصورة في أواخر السبعينيات من القرن الماضي التي انطلقت فيها مشاريع إنشاء المجمعات السكنية الكبيرة جنوب نهر هان في مدينة سيول. شهدت هذه المنطقة الزراعية التي كانت عبارة عن حقول أرز وبساتين وتالل تغيرا كبيرا خالل عشر سنوات وتحولت إلى منطقة عرف اليوم بمنطقة غانغ نام.
كانت صورة العائلة السعيدة أمام شقة بمساحة مئة متر مربع وسيارة متوسطة الحجم تسود الإعلانات الصحفية لشركات البناء الكورية. ما هي هذه العائلة التي ترمز إلى التوفر المادي الناتج عن النمو الاقتصادي السريع في كوريا؟ للإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نعود إلى العاصمة سيول في منتصف السبعينيات من القرن الماضي وأواخرها، وتحديدا إلى منطقة غانغ نام التي تقع جنوب نهر هان.
شهدت منطقة غانغ نام التي كانت منطقة زراعية تطورا سريعا لتتحول إلى منطقة حديثة تحتضن المجمعات السكنية الكبيرة. واستقرت فيها الطبقة الاجتماعية الصاعدة التي تُسمى بـ»ذوي الياقات البيضاء» وهم وُلدوا في الأربعينيات من القرن الماضي حيث استقلت كوريا عن الحكم الاستعماري الياباني. وشهد أبناء هذه الطبقة الاجتماعية فظائع الحرب الكورية وآلامها والتحقوا بالجامعات في الستينيات من القرن الماضي وشكلوا القوة العاملة الرئيسة وقادوا التصنيع الكوري في السبعينيات من القرن الماضي.
ظهور الطبقة الوسطى
كان هذا القبيل من الناس في منتصف الثلاثينيات من أعمارهم عندما بدأ بناء المجمعات السكنية الكبيرة في منطقة غانغ نام. وجاء معظمهم من مناطق أخرى من كوريا وكان لديهم وظائف مستقرة ومسؤوليات عن إعالة أسرهم. وكان لديهم اهتمام كبير بشراء أول منزل لهم. لهذا، لم يُفوّتوا الفرصة في الاستقرار عندما وضعت الحكومة سياسة توفير المساكن وبدأوا الحياة الجديدة في الشقق الحديثة التي بُنيت في منطقة غانغ نام. وفي الثمانينيات من القرن الماضي، أصبح هذا القبيل من الناس يُسمون بـ»الطبقة الوسطى».
لعب نظام الحد الأعلى لأسعار الشقق الجديدة الذي أدخلته الحكومة الكورية لأول مرة عام 1977 دورا هاما في تمكين هؤلاء الناس من الاستقرار في منطقة غانغ نام والانتقال إلى الطبقة الوسطى. وكان نظام الحد الأعلى يهدف إلى توفير العدد الكبير من الشقق الحديثة بأسعار منخفضة لتلبية الاحتياجات الإسكانية. واستطاع أولئك الذين فازوا في المنافسة الشرسة وحصلوا على حق شراء الشقق أن يشتروا الشقق الجديدة بسعر أقل من السعر السوقي ويحظوا بأرباح كبيرة نظرا لارتفاع أسعار العقارات الناتج عن التطور الحضري. وبفضل ذلك، تمكنوا من الانتقال إلى شقة أكبر وتوسيع نطاق إنفاقهم. هكذا نَمَت الطبقة الوسطى لتشكل دعامة أساسية للمجتمع الكوري في أواخر القرن العشرين.
لكن، ليس ثمة ربح دون خسارة. إذ جعلت سياسة الإسكان شركات البناء تقلّد مخططات الشقق والبنايات القائمة وتصاميمها وتنسخها دون أي تغيير بسبب عدم توفّر الحوافز. ولم تستطع الشركات أن تبيع الشقق بسعر أعلى من السعر الذي حددته الحكومة، غير أنها استطاعت أن تبيع الشقق كلها حتى قبل اكتمال بنائها.
لقد ظهرت المجمعات السكنية الكبيرة في أحياء سيول الجديدة خلال الثمانينيات من القرن الماضي ثم ظهرت في المدن الجديدة التي تقع بالقرب من العاصمة مثل مدينة بون دانغ ومدينة إيل سان ومدينة بيونغ تشون في التسعينيات من القرن الماضي. وكانت هذه المجمعات السكنية تتشابه في التصميم لأنها صُممت على غرار المجمعات السكنية في منطقة غانغ نام التي أنشأتها مؤسسة كوريا للأراضي والإسكان وشركات البناء الخاصة في السبعينيات من القرن الماضي. في الحقيقة، إن مخططات الشقق في منطقة غانغ نام اُستخدمت نموذجا يُحتذى به في تصميم الشقق الأخرى التي بُنيت في جميع أنحاء البلاد بغض النظر عن الفروق بين المناطق.
التغير في نمط الحياة
أدى انتشار الشقق الحديثة إلى تغير في نمط الحياة. فقد كان الكوريون تقليديا يجلسون أو يستلقون أو يضطجعون على أرضية البيوت الدافئة التي يتم تدفئتها بواسطة نظام التدفئة الكوري الأصلي المعروف باسم «أوندول». وحتى أولئك المقيمون في البيوت التي بُنيت على الطراز الغربي، كانوا يفضلون تناول وجباتهم على طاولة منخفضة جالسين على الأرضية ومشاهدة التلفاز جالسين أو مُتمددين على الأرضية الدافئة. ولهذا السبب، كانت الغرفة الرئيسة التي كان فيها التلفاز تُسمى بـ»مسرح المنزل». ومع ذلك، أسفر انتشار الشقق الحديثة في أرجاء مدينة سيول عن الانتقال إلى نمط الحياة الجديد الذي يتسم بـ»الجلوس على الكراسي» أو «الاستلقاء على السرير». وحل الأثاث الغربي الحديث محل الأثاث الكوري التقليدي القديم في غرفة الجلوس والمطبخ وغرفة النوم.
لقد أدّى نمط الحياة الجديد إلى تغيير في ترتيب الأثاث في البيت. في الماضي، كان من المهم وضع الأثاث والأدوات اليومية في متناول اليد. وبالأخص، كانت الطاولة المتحركة الصغيرة قطعة مهمة من الأثاث وتُستخدم لنقل الأشياء قرب المجلس.
ومع ذلك، عندما تجلس على الكرسي أو الأريكة، فمن السهل أن تقوم وتمشي بضع خطوات للحصول على ما تحتاج إليه، ولا تشعر بإزعاج إذا وضعت الأشياء بعيدة عن المكان الذي تجلس فيه. لذلك، وضع الأشياء في متناول اليد ليس أمرا مهما في نمط الحياة الجديد، بل من المهم وضع الأشياء في الأماكن التي يمكن رؤيتها بسهولة. كما أن سكان الشقق الحديثة يولون اهتماما أكبر بمستوى العين عند ترتيب الأشياء داخل البيت. ومن اللازم وضع الأشياء على مستوى العين أو تحته بقليل لمن يقف أو لمن يجلس على الكرسي أو الأريكة، خلافا للماضي حيث عادة ما كانت توضع الأشياء المنزلية فوق مستوى العين.
التغير في نمط التسوق
أدى انتشار الشقق الحديثة في أحياء سيول الجديدة في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي إلى الانتقال إلى نمط الحياة الجديد المتسم بالجلوس على الكرسي، وترتب على ذلك حدوث تغيير في كيفية ترتيب الأثاث، فالشقق الحديثة التي بُنيت في المدن الجديدة في ضواحي العاصمة في التسعينيات سبّبت تغيرا في أنماط التسوق. ففي الماضي كانت ربات البيوت يذهبن يوميا إلى السوق المحلية أو المتاجر المختلفة لشراء أغراض البقالة لإعداد العشاء. لكن المجمعات التجارية الضخمة التي نشأت في المدن الجديدة المكتظة بالشقق الحديثة أتاحت تجربة جديدة. فأصبح التسوق ضمن أنشطة عطلة نهاية الأسبوع حيث يزور أفراد الأسرة معا المجمعات التجارية التي تمكنهم من شراء الأشياء بكميات كبيرة وبسعر منخفض.
وأحدث ذلك الاتجاه الجديد تغيرا آخر في نمط الحياة. أولا، ازدادت الحاجة إلى السيارة لأنه من المستحيل نقل كمية كبيرة من الأغراض المشتراة التي تملأ عربة التسوق بسعة 120 لترا دون مركبة. وثانيا، ازدادت الحاجة إلى الثلاجة الكبيرة التي تمكّن من تخزين كمية كبيرة من مواد البقالة والأطعمة المجمدة والفواكه والمشروبات. وكل ذلك أدى إلى ازدهار سوق السيارات وسوق الأجهزة المنزلية.
في غرفة الجلوس تلفاز وطاولة وأريكة وعلى الحائط ثمة إطار لصورة. هذا هو مظهر غرفة ُنيت في أواخر الجلوس النموذجية للشقق التي ب السبعينيات من القرن الماضي. واُلتقطت هذه الصورة في غرفة الجلوس في إحدى الشقق في مجمع سام هو السكني الذي تم بناؤه في حي سو تشو من مدينة سيول عام 1978.
قطع األثاث المثبتة داخل الشقة الحديثة التي ُنيت مؤخرا. أدى قرار الحكومة برفع الحد األعلى ب ألسعار الشقق الجديدة إلى اشتداد التنافس بين شركات اإلنشاء وظهور الشقق الفاخرة الكبيرة.
ظهور الشقق الفاخرة
شهد نمط الحياة الحديث الناتج عن انتشار الشقق الحديثة تغيرات جذرية بعد حدوث الأزمة المالية الآسيوية عام 1997. وقررت الحكومة رفع الحد الأعلى لأسعار الشقق الجديدة لإنقاذ صناعة البناء التي عانت من الركود، مما شجّع شركات البناء في القطاع الخاص على بناء الشقق الفاخرة الكبيرة. وفي هذه الأجواء، ظهرت المجمعات السكنية التجارية الفاخرة لأول مرة في مدينة يونغ إين في ضواحي العاصمة، ثم انتشرت في حي داي تشي من منطقة غانغ نام في العاصمة سيول وحي جونغ جا من مدينة بون دانغ. واجتاح هذا الاتجاه أيضا مشاريع إعادة بناء المجمعات السكنية القديمة في منطقة غانغ نام، مما فتح «عصر غانغ نام الجديد».
ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار الشقق وترتب على ذلك تغير هيكلي في سوق الأصول، مما أحدث تغيرا كبيرا في المساحات الداخلية للمنازل. فاتسعت أولا، مساحة غرفة الجلوس والمطبخ وأصبحت قطع الأثاث الثابتة والتشطيبات الداخلية الفاخرة شائعة في بناء الشقق. وساد هذا الاتجاه الجديد سوق العقارات على الرغم من وجود المخاوف من خطورة بعض مواد البناء التي تسبّب أعراض متلازمة المباني المريضة مثل التهاب الجلد التأتبي. كما أن المطبخ أصبح كبيرا ومجهزا بقطع الأثاث الفاخرة، ومنها الثلاجة ذات الباب المزدوج وثلاجة كيم تشي والغسالة والطاولة ذات التصميم الأوروبي. أما غرفة الجلوس والممرات فإنها أصبحت مُزينة بقطع الأثاث العتيقة على الطراز الأوروبي واللوحات التي رسمها الفنانون الشباب. وكلما ازدادت مساحة غرفة الجلوس، ازداد حجم شاشة التلفاز. وحظيت المكنسة الروبوتية التي تقوم بتنظيف المنازل بإقبال كبير.
قد وصل هذا الاتجاه إلى ذروته عندما ظهرت الثلاجات المميزة ذات التصميم الفاخر. وبدأت شركات الأجهزة المنزلية إضافة الأنماط والرسوم الفنية على الأجهزة المنزلية وأطلقت عليها اسم «الأجهزة الفنية» أو «أجهزة الموضة»، بعد النجاح الكبير الذي حققته الثلاجة المزينة بالأنماط الأنيقة الرقيقة التي صممها مصمم الأزياء الكوري الشهير أندريه كيم (1935-2010). كما أن بعض الشركات استخدمت الأحجار النفيسة والجلد الاصطناعي لتزيين الثلاجات، وتعاونت مع المصممين الإيطاليين المشاهير. وفي هذه الأجواء، حل الشعار الجديد «الشكل يتبع أسعار الشقق» محل شعار التصميم « الشكل يتبع الوظيفة».
حديقة في أحد المجمعات السكنية الكبيرة فيمدينة إيل سان التي تقع شمالي ضواحي مدينةَك وتاللِ سيول. وأصبحت الحديقة التي فيها برصغيرة وشالالت وتماثيل غالية الثمن رمزا للشققالفاخرة للغاية.
تصميم المناظر المحيطة بالمبنى
شهد منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين انتقال اهتمام الناس من داخل المبنى إلى خارجه نظرا لمشاريع إعادة بناء المجمعات السكنية القديمة في منطقة غانغ نام. وبُني تحت الأرض مواقف السيارات التي كانت قد احتلت أكبر مساحة من المجمعات السكنية، وأُنشئت في مكانها الحدائق الفاخرة ذات المناظر الجميلة، وفيها برك صغيرة وجسور وتلال اصطناعية وجداول مائية وأماكن استراحة وملعب قوارب الكاياك للأطفال ومسارات التنزه المزينة بآلاف الأشجار والنباتات الجميلة. وأقامت شركات البناء هذا النوع من الحدائق لكي يتمتع سكان المجمعات السكنية بقسط من الراحة في حياتهم اليومية وليشعروا كأنهم في منتجعات ذات مناظر طبيعية جميلة.
ويُعد ازدهار سوق الأصول وزيادة الدخل في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ضمن العوامل الرئيسة التي أحدثت هذه التغيرات في سوق العقارات بعد رفع نظام الحد الأعلى لأسعار الشقق الجديدة. وجدير بالذكر أنه في الوقت الذي دخلت فيه العلامات التجارية الأجنبية للأثاث والديكور المنزلي إلى السوق الكورية، اكتسبت هذه العلامات التجارية شعبية سريعة بين الشباب الذين لا يملكون بيوتا بعد.
مضى القرن العشرون الذي برزت فيه الطبقة الوسطى التي كانت ترمز إليها الشقق والسيارات. ومع ذلك، حققت سياسة الإسكان التي نفذتها الحكومة في القرن الماضي إنجازات لا يمكن تجاهلها؛ والشقق تمثل اليوم أكثر من 60 في المائة من إجمالي المساكن في كوريا.
جعلت سياسة اإلسكان شركات البناء تقلّد مخططات الشقق والبنايات القائمة وتصاميمها وتنسخها دون أي تغيير بسبب ّ عدم توفر الحوافز.ولم تستطع الشركات أن تبيع الشقق بسعر أعلى من السعر الذي حددته الحكومة، غير أنها استطاعت أن تبيع الشقق كلها حتى قبل اكتمال بنائها.
المباني السكنية الشاهقة في المنطقة السكنية من مدينة سي جونغ، وهي مدينة إدارية جديدة تقع في محافظة تشونغ تشونغ الجنوبية. تمثل الشقق أكثر من 60 في المائة من إجمالي المساكن في كوريا في عام 2018 ويزداد عدد الشقق الجديدة باستمرار كل سنة.
مبنى واحد و32 غرفة جلوس
باك هي-تشونأستاذ في قسم التصميم بجامعة دونغ يانغ
سلسلة «برج دائم الخضرة» (2001) هي مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي التقطها الفنان الفوتوغرافي جونغ يون-دو لـ 32 أسرة تعيش في مبنى سكني واحد في مدينة سيول. وتصوّر كيف تختلف حياة الناس المقيمين في الشقق المتشابهة، وماذا وجد الفنان فيها؟
«برج دائم الخضرة» أو «برج سانغ روك» هو مبنى سكني أنشأته شركة بوسكو لصناعة الحديد عام 1996 في حي غوانغ جانغ جنوب شرقي مدينة سيول لتوفير المساكن المستأجرة لموظفيها. وحظي هذا المبنى باهتمام المعماريين لأن إطاراته مصنوعة من الفولاذ خلافا للمباني السكنية العادية التي تكون إطاراتها من الخرسانة المسلحة. وكان البرج الذي يتكون من 25 طابقا ويحيط به جدار ستائري من الألومنيوم رمزا إلى تقنية البناء المتطورة في ذلك الوقت. ومع ذلك، فإن التصميم الداخلي للشقق الواقعة في هذا البرج لا يختلف عن التصميم الداخلي للشقق في المباني السكنية الأخرى.
"برج دائم الخضرة" )2001 )للفنان جونغ يون-دوست صور من سلسلة الصور الفوتوغرافية التي تتكون من 32 شريحة.
الترتيب المرئي
انصبّ الاهتمام في التصميم الداخلي لكل غرفة الجلوس في شقق البرج على أن لا يختلف عن التصميم الداخلي للشقق المستأجرة الأخرى. وفي جميع غرف الجلوس، يمكن أن نجد الأنواع نفسها من مصابيح السقف وورق الجدران. ويبدو أن المستأجرين لم يغيروا أي شيء في التصميم الداخلي الذي حددته شركة البناء. بينما يمكن أن نجد الفروق بين الشقق في سكانها والأثاث والأدوات المنزلية.
هذا يعني أن الأشياء الثابتة لا فرق بينها، لكن الأشياء المنقولة أو القابلة للنقل يختلف بعضها عن بعض اختلافا كبيرا. ويشير ذلك إلى طبيعة المستأجرين بوضوح؛ فهم لا يستطيعون أن يغيروا أي شيء داخل بيوتهم إلا الأشياء المنقولة لأنهم لا يملكون بيوتهم. وفي هذه الصور الفوتوغرافية، يمكن أن نجد ميزة مهمة تشترك فيها معظم الشقق الكورية، وهي «الترتيب المرئي لغرفة الجلوس».
لقد وصف الناقد الأدبي كيم هيون (1942-1990م) خصائص التصميم الداخلي للشقق في مقالة له بعنوان «الأدب في عصرنا: حياة سميكة وحياة رقيقة» نُشرت في أواخر السبعينيات من القرن الماضي. وكتب كيم هذه المقالة بناء على تجربته الخاصة وكان يعيش في أحد المجمعات السكنية القديمة التي تطل على نهر هان. وقال في مقالته:
«في الشقة، تفقد الأشياء حجمها وتصبح صورة تتكون من خطوط. ويمكن رؤية كل الأشياء الموجودة فيها في آن واحد لأنها مرتبة على سطح منبسط. في الشقة، لا مكان لأحد للاختباء سواء أكان إنسانا أم غير ذلك. كل شيء مفتوح. لكن هذا الانفتاح مجرد انفتاح سطحي وليس له أي عمق.»
كل شيء مكشوف داخل الشقة، لأنه ليس ثمة مكان للاختفاء. وبالتالي، للنظرة قوة عظيمة وتبلغ هذه القوة ذروتها في غرفة الجلوس. وتنزع نظرة الإنسان الأشياء الموجودة في غرفة الجلوس من سلاحها دون أي مقاومة وتحوّلها إلى أشياء مكشوفة مثل «صورة تكوّنها خطوط على سطح منبسط».
في هذا السياق، نحن بحاجة إلى إيلاء الاهتمام بدور النافذة التي تفصل بين غرفة الجلوس والشرفة كالجدار. وإذا نظرنا نحو غرفة الجلوس فنظرتنا تصل تلقائيا إلى هذه النافذة الكبيرة لأنها مصدر الإضاءة في الغرفة. ولا ينتهي دور هذه النافذة عند هذا الحد، بل إنها تمثل «وجه التلاشي» وتجعل غرفة الجلوس مكشوفة أمام الجميع في لمح البصر. وتتحرك الخطوط التي تنطلق من أربع زوايا النافذة على امتداد حواف الجدران لتجعلنا ننظر إلى غرفة الجلوس وفقا لقواعد المنظور. لكن هذا النظام المرئي يكون سطحيا ويفتقر إلى العمق لأنه مبني على «وجه التلاشي» وليس على «نقطة التلاشي».
اختلاف الحياة باختلاف صاحبها
شهد هذا النظام المرئي لغرفة الجلوس تحولا كبيرا في الثمانينيات من القرن الماضي، حيث أصبحت غرفة الجلوس مسرحا منزليا نظرا لانتقال التلفاز من غرفة النوم الرئيسة إلى غرفة الجلوس. وكان يوضع في غرفة النوم الرئيسة في البيوت المستقلة التي كانت شائعة قبل انتشار الشقق. ومع انتشار نمط الحياة الجديد الذي يتسم بالجلوس على الكرسي، أصبح الناس يشاهدون التلفاز جالسين على الأرائك وليس على الأرضية. وفي هذه الأجواء، كان من الطبيعي أن يُوضع التلفاز قرب جدار غرفة الجلوس الذي يقع في الجانب الأيمن من نافذة الشرفة وتُوضع الأريكة قرب الجدار المقابل.
التقط الفنان جونغ يون-دو في الصور الفوتوغرافية هذا النظام المرئي لغرفة الجلوس. وكل صورة فوتوغرافية عبارة عن ثلاث طبقات؛ أولها طبقة الخلفية وتتكوّن من مصباح السقف نفسه وورق الجدران نفسها، وثانيها طبقة المسرح المنزلي وتتكون من قطع الأثاث، وآخرها طبقة الحياة التي فيها أفراد الأسرة في مختلف الوضعيات. وتشكل هذه الطبقات الثلاث المتشابكة صورة رائعة مثل صورة في كتاب انفرط تماسك أوراقه.
وتُوضع هذه الطبقات الثلاث التي فقدت حجمها الأصلي على لوحة منبسطة. يقول الناقد الأدبي كيم هيون إن الشقق ترمز إلى طريقة التفكير لدى الطبقة الوسطى الكورية. وأضاف إلى ذلك الفنان جونغ يون-دو فكرة أخرى، وهي أن الكوريين يعتبرون الشقق مسرحا للحياة السعيدة ويريدون إظهار هويتهم من خلال شققهم التي تبدو أنها يختلف بعضها عن بعض لكنها في الحقيقة لا تختلف عن الأخرى اختلافا ملحوظا.
سجل الذكريات
لي إين-كيومديرة تحرير «مرحبا ووداعا، يا شقق دون تشون»
هناك «بنت الشقة» التي وُلدت في إحدى شقق «دون تشون» الواقعة في شمال شرقي مدينة سيول وعاشت فيها مدة 17 عاما. بدأت هذه البنت توثيق ذكرياتها عن مسقط رأسها المهدد بالهدم بسبب عملية إعادة البناء.
تم إنشاء مجمع «دون تشون» السكني عام 1980 كجزء من مشاريع الإسكان الحكومية الكبيرة. وكانت أكثر من مائة مبنى ذي 10 طوابق تصطف في الأرض الواسعة التي تبلغ مساحتها حوالي 600 ألف متر مربع، وكان الناس يُطلقون عليها اسم «شقق عُلب الكبريت». لكنها كانت مكانا جميلا.
بُنيت الحدائق الواسعة والتلال الصغيرة بين مباني المجمع السكني المتباعدة بعضها عن بعض. وعندما تجولتُ في مسار التنزه المتعرج، شعرت كأنني أسير في غابة. واستطعت أن أرى بسهولة النساء المسنات يتحدثن جالسات على الكراسي أمام الشقق أو ملاعب الأطفال. وكان المجمع مكانا يمنحنا الهدوء والراحة.
.في عام 1980 ،ب فيها 5930 وحدة سكنية. وتم إقرار خطة إعادة بنائه عام 2017 وانتهت عملية الهدم في نهاية عام 2019 .ويجري حاليا تشييد المجمع السكني الجديد الذي يتكون من 10032 وحدة سكنية ومن المقرر إنجازه عام 2022
مسقط رأسي المحبوب
منذ أن بدأتُ بالسير على قدميّ الصغيرتين الممتلئتين، كنت أصعد سلالم الشقة وأهبط منها. وتعلمتُ كيفية تكوين الصداقات في ملعب الأطفال القريب من بيتي، والتحقت مع أصدقائي بالمدرسة الابتدائية الموجودة داخل المجمع. وكل يوم، كنت أخرج للعب مع أصدقائي فور عودتي إلى البيت من المدرسة. وكنت أظلّ ألعب مع أصدقائي في الحديقة وملعب الأطفال بالقرب من بيوتنا حتى تُخرج أمي رأسها من النافذة وتناديني لتناول العشاء.
من حين لآخر، كنت أزور بيوت الأصدقاء الذين كانوا يعيشون في مبانٍ أخرى في المجمع السكني. وكان المنظر الذي أراه عبر نافذة غرف الجلوس في بيوتهم مختلفا تماما عن المنظر الذي أراه في بيتي. كان هذا المجمع السكني الواسع ملعبا عملاقا بالنسبة لي ودائما كنت أجد مكانا جديدا فيه.
كلما تغيرت الفصول، تغيرت مناظر المجمع. وفي فصل الربيع، كانت زهور الكرز الصفراء تتفتح في التلة خلف منزلي أولا، ثم تتبعها زهور الماغنوليا البيضاء وزهور الكرز الوردية. وبعد فترة وجيزة من ذلك، أذهب مع أمي إلى الحديقة لالتقاط الأعشاب ونستخدمها لطهي كعك الأرز ونتشارك به مع جيراننا.
وعندما يصبح الجو دافئا وأستطيع أن أخرج مرتدية معطفا خفيفا، كانت زهور الليلك البنفسجية وزهور الأكاسيا البيضاء تتفتح وتنشر رائحتها العطرة في أنحاء المجمع السكني. ومنذ ذلك الوقت تقريبا، أستطيع أن أسمع صوت الضفادع عن بعد ثم يتحول هذا الصوت إلى أصوات الحشرات في منتصف الصيف ثم إلى صرير الصراصير في فصل الخريف.هكذا نشأتُ وتعلمتُ دورة الفصول ونَمَت معي الأشجار الصغيرة النحيلة. ثم انتقلت أسرتي من هذا المجمع السكني عندما كنتُ في المدرسة الثانوية. وعندما زرتُه مرة أخرى في الثلاثينيات من عمري، أصبح ارتفاع هذه الأشجار طويلة يصل إلى الطابق الخامس.
1.تتفتح زهور الشجر بحلول الربيع في إحدى الحدائق داخل مجمع دون تشون السكني.
2,3,4.كان مجمع دون تشون السكني يغير مظهره من األشجار واألزهار كل فصل. وفي الصورة في األسفل، تلعب كاتبة هذه المقالة لي إين-كيو في طفولتها 1( مرتدية اللباس األحمر( مع أخيها في ملعب األطفال المغطى بالثلوج البيضاء.
الإقامة والربحية
في الوقت الذي نَمَت فيه الغابة داخل مجمع «دون تشون» السكني، نمت الغابات الأخرى من المجمعات السكنية في خارجه بسبب ازدياد السكان المستمر في مدينة سيول رغم بناء عدد من المدن الجديدة في ضواحيها. وفي أعقاب الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، شهدت كوريا التي اجتاحتها موجة الليبرالية الجديدة تغيرا كبيرا. وكان الناس يحلمون باكتساب «إوزة تبيض ذهبا» تمكنهم من الحصول على المال بسهولة واعتبروا مشاريع إعادة بناء الشقق القديمة مفتاحا سحريا لتحقيق أحلامهم، لأنه كان من المتوقع أن تحقق هذه المشاريع ربحا كبيرا عن طريق هدم العمارات القديمة ذات الارتفاع المنخفض وبناء شقق أكثر ارتفاعا مكانها.
لم يستطع مسقط رأسي، أي مجمع «دون تشون» السكني، الهروب من مصيره جَرّاء هذا الاتجاه العصري أيضا. وبدأ الحديث عن مشروع إعادة البناء بين سكانه منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أي بعد حوالي 20 عاما من بنائه. وفي عام 2003، شكل سكانها لجنة لتنفيذ مشروع إعادة البناء. وكان المجمع السكني مكانا رائعا للعيش فيه من وجهة نظر «قابلية الإقامة»، إلا أن ذلك لا معنى له من وجهة نظر «الربحية».
ورأى أصحاب وجهة نظر «الربحية» أن مشروع إعادة البناء سيحقق ربحا كبيرا، لأن هذا المجمع السكني منخفض الكثافة.
الوداع
عندما سمعتُ أنه من المرجح أن يبدأ مشروع إعادة بناء مجمع «دون تشون» السكني، لم أستطع أن أصدق أن مسقط رأسي الذي يحتضن كل ذكريات طفولتي سيتلاشى دون أن يترك أي أثر. وشعرت أن الأوقات والذكريات والعلاقات التي كان سكان المجمع يتشاركونها مع بعضهم بعضا ستتلاشى. ولهذا السبب، قررت أن أسجل كل الذكريات التي يحتضنها المجمع قبل أن تتلاشى كلها. وفي عام 2013، شرعت في مشروع «مرحبا ووداعا، يا شقق دون تشون» وبدأت نشر الكتاب على حسابي وفتحت صفحة على فيسبوك.
ومن خلال هذا المشروع، استطعت أن أطرح فكرتي على الآخرين وقلت لهم، «هذا المجمع السكني هو مسقط رأسي حيث وُلدت وترعرعت. وأشعر بالأسف والحزن الشديد لأن هذا المكان الذي أحبه سيتلاشى». وقال كثيرون أنهم يتعاطفون معي وكان ذلك أمرا غير متوقع. وأدركت أن الكثير من الناس يشعرون بالأسف لتلاشي الأماكن القديمة إلا أنه لم تُتح لهم الفرصة للتجمع والتحدث عن ذلك. استمررتُ في تسجيل الذكريات عن الأماكن المهددة بالتلاشي ونشرتُ أربعة كتب حتى الآن وفيلما وثائقيا بعنوان «وداع طويل».
تجمع كل المشاركين في المشروع لإطلاق الألعاب النارية وتقديم الشكر بعضهم لبعض في الليلة التي سبقت عملية هدم السُّحْسِيلَة الكبيرة التي كانت تُعد رمزا لمجمع «دون تشون» السكني. وفي فصل الخريف من عام 2017 عندما غادر معظم سكانه وكانت عملية الهدم على وشك البدء، عاد الكثير من الناس إلى المجمع ليلقوا نظرة الوداع الأخيرة على المجمع. وبعد عامين من ذلك، تلاشى هذا المجمع السكني الضخم مثل الديناصورات المنقرضة.