العنوان الحكمة والفلسفة في القبور الملكية لمملكة جوسون TWITTER THIS FACEBOOK THIS عدد الزوار 1832
الكاتب/المؤسسة هان سونغ هي مؤلفة كتاب  
مصور سوه هون كانغ مصور 

تختلف عادات الجنائز باختلاف مفاهيم الموت والحياة الأخرى في كل حقبة. ففي حالة مملكة كوريو البوذية، فإن الموت يعني انفصال الروح والحياة، وكان الناس يعتقدون أن الجسم قد انكمش فأصبح غبارا. من جهة أخرى، فإن مملكة جوسون الكونفوشيوسية التي سيطرت عليها فكرة احترام الأسلاف، حولت المتوفى إلى موضوع للاحترام وطبقا لذلك، فإن طقوس الجنازة وعادة إحراق جثامين الموتى التي سادت في مملكة كوريو قد انتهت خلال فترة جوسون وحلت محلها عادة الدفن. وعندما تم وضع الإجراءات الجنائزية في القانون، أصبحت أكثر تعقيدا وركزت على آداب وأخلاقيات التعامل.

الدولة تستعد لجنازة رسمية وشيكة
الملك يحتضر. القصر في حالة من التوتر والطوارئ. عندما يدرك الملك تدهور صحته وقرب احتضاره، يقوم باستدعاء كبار وزرائه ثم يطلب منهم كتابة آخر وصية له، تاركا العرش لولي العهد. وعندما تقترب ساعات الملك الأخيرة، توضع قطعة من القطن على أنفه وتراقب بعناية ليعرف ما إذا كانت تتحرك أم لا، وعندما يشهق الملك نفسه الأخير، يقوم الخصيان بغسله وإلباسه ملابس الجنازة. وفي حالة كون المتوفاة ملكة، فإن سيدات الحاشية هن اللواتي يقمن بهذه المهمة. عندما ينتشر خبر وفاة الملك، فإن العائلة الملكية ومسؤولي الحكومة ينشغلون بالاستعداد للجنازة. وبمجرد وصول الخبر المأساوي، فإن ولي العهد والأمراء الآخرين، والملكات، والخليلات والأميرات يقومون بخلع خوذات رؤوسهم وبذلاتهم الخارجية، ويسدلون شعورهم للأسفل، ويزيلون جميع قطع الذهب، والأحجار الكريمة، والحلي الصغيرة، والزخارف الأخرى عن أجسامهم.
يصدر الديوان الملكي مرسوما يمنع بموجبه أنشطة معينة إعلانا للحداد عندما يتم الإعلان عن جنازة رسمية للدولة، ويدخل وزير الحربية في حالة الطوارئ ويعبئ الجيوش لحراسة بوابات المدينة وما حول القصر، كما يحدث اليوم تماما عندما تمر الدولة بحالة من الأحكام العرفية وتكون في حالة من الخطر والحذر.
ثم ترسل مكاتب ودوائر الحكومة بعد ذلك وثائق رسمية لكل الهيئات المركزية والإقليمية الحاكمة، معلنة أن الجنازة الرسمية سوف تقام مراسمها. تغلق الأسواق لمدة خمسة أيام، ويتم بيع وشراء الأشياء الضرورية فقط في أماكن تجمع خلفية. ولمدة ثلاثة أشهر بعد موت الملك، تمنع حفلات الزفاف، والحفلات الموسيقية، وذبح الحيوانات. ولهذا لم يكن باستطاعة الناس أن يأكلوا اللحوم أو يتزوجوا عندما يموت ملك.
وزير الداخلية يرجع إلى مجلس الدولة وينشئ ثلاثة دوائر مؤقتة دائرة التكفين الملكي، ودائرة الجنازة الملكية، ودائرة القبر الملكي، وذلك للقيام بالمهمات المختلفة المطلوبة. وهي مشابهة للجان الجنائزية التي تشكل هذه الأيام. هذه الهيئات الثلاث التي يتم تشكيلها كانت تؤدي الوظائف التالية:
دائرة الكفن الملكي توكل إليها مهمات بسيطة نسبيا، مثل بذلات جنازة الملك، وألواح النعش، والكفن، وكذلك بذلات أثواب الحداد. كانت دائرة الجنازة الملكية تتولى صناعة الأدوات والوسائل المتنوعة التي تستخدم في الدفن، مثل الأواني الخزفية، والأثاث، والأدوات الموسيقية، والنعش الجنائزي، وأدوات الطقوس، والأختام الملكية. كانت أصعب المهمام من نصيب دائرة القبر الملكي، وهي الإشراف على بناء القبر الملكي. فهم يحفرون القبر وينشئون الضريح على شكل حرف (تي) حيث تجري الطقوس القربانية للميت، كما ينشئون الحجر التذكاري لبيت السرادق، والحجر التذكاري نفسه، وغرفة حارس القبر، ومبنى إعداد طعام الطقوس كل هذه الأشياء يجب أن تعدها هذه الدائرة. وقد كان عمدة سيول مسؤولا عن إصلاح وبناء الجسور والطرق على طول الطريق المؤدية إلى أرض الدفن.
هذه الدوائر الثلاث التي تم تأسيسها بشكل مؤقت لغرض وحيد وهو إتمام مراسم تشييع الجنازة الرسمية كانت هامة جدا وتعبأ لها كل وزارات الدولة الرئيسية ومسؤوليها.
بعد أن يتم إكمال تجهيز جنازة الملك، يلبس ثلاث طبقات من الملابس الجنائزية على مدى خمسة أيام. وحالما يكتمل الحمام، فإن الجسد يلبس تسع بدلات جنائزية من الحرير الأبيض، وبعد ثلاثة أيام لاحقة يلبس تسعة عشر ثوبا أخرى، وفي اليوم الخامس يلبس تسعين ثوبا أخرى. وبعد آخر لباس له، يوضع في التابوت، ويعقد بعدها احتفال بتتويج الملك الجديد.

استخدام الثلج والأعشاب البحرية لمنع تغير الجسد وتعفنه putrefaction
بما أن مجتمع مملكة جوسون كان يقوم على المنزلة، فإن طول فترة العزاء والحداد كان يقرر بالقانون وفقا لمنزلة المتوفى. وقد كانت الفترة للملوك والملكات تمتد إلى خمسة أشهر، أما كبار موظفي الدولة فالفترة بالنسبة لعزائهم تمتد إلى ثلاثة أشهر، أما الجنائز بالنسبة لمن هم دون هذه المرتبة، سواء أكانوا من العامة أو النبلاء فتقام لشهر واحد.
فيما يتعلق بالحداد للعائلة الملكية في عهد جوسون، فقد كانت متناسقة مع مبادئ الضرب بالرمل حيث كان يعتقد بأن الجسد يجب أن لا يتعفن قبل دفنه. ومع ذلك فقد كان من الصعوبة بمكان الاحتفاظ بجسد الملك أو الملكة فترة طويلة بشكل تام دون أن يتغير على مدى الأشهر الخمسة للجنازة. إذن فكيف تمكنوا من التعامل مع الأجساد كل هذه الفترة الطويلة التي تمتد لخمسة أشهر، ولنفترض لمدة شهرين من أشهر الصيف الحارة؟
امتلكت الكوريون منذ زمن طويل خبرة لبناء بيوت الثلج لتخزين الثلج الذي يتم جمعه خلال فصل الشتاء، ليس فقط في عهد مملكة جوسون، بل أيضا قبل ذلك في عهد الممالك الثلاث القديمة. كان هناك بيتان من بيوت الثلج يمثلان هذه الخبرة في سيول خلال حكم جوسون، هما بيت الثلج الشرقي (Dongbinggo) وبيت الثلج الغربي (Seobinggo)، وكان هناك مكتب حكومي مسؤول عن إدارتهما.
ففي بيت الثلج الشرقي كانت تخزن كميات من الثلج للطقوس القربانية التي كانت تعتبر شديدة الأهمية بالنسبة لعائلة جوسون الملكية، في حين أن بيت الثلج الغربي كان يخزن فيه الثلج ليستخدم في مطابخ القصر ومن قبل المسؤولين وخلال فصل الصيف. كان أفراد عائلة جوسون الملكية يوزعون بطاقات لتوزيع الثلج على المسؤولين بحسب رتبهم، ويأخذ المسؤولون هذه البطاقات إلى بيت الثلج الغربي ويستلمون الثلج من هناك.
كان الثلج يؤخذ من مناطق غير ملوثة من نهر هان Han River في أواسط فصل الشتاء، ويجمع من أماكن من الأرض لا تقل سماكة الثلج فيها عن 12 سم. كان الثلج يقطع في مكعبات بمساحة 1. 8 متر مربع. هذا الثلج هو سر منع أجساد الملوك والملكات من التعفن والفساد إلى أن يتم دفنهم. خلال فصل الصيف الحار، كانت توضع صينية ثلج أسفل النعش الذي يضم جسد الملك، ومن ثم كان النعش يحاط بسقالة من الخيزران ويغطى بالثلج. كان بيت الجنازة مثلجا بمعنى الكلمة. أثناء الجنازة الرسمية، كانت تجلب حوالي 15000 قطعة مكعبة من الثلج من بيتين من بيوت الثلج، وهي كمية تكفي لتفريغ البيتين من كل مخزونهما من الثلج. وعندما يمرض الملك أو الملكة وتصبح حالتهما حرجة أو يبلغان من الكبر عتيا، يتم تخزين ضعفي الكمية العادية من الثلج استعدادا للجنازة الرسمية.
على أي حال، كانت هناك مشكلة أخرى، كان عليهم أن يعالجوا مشكلة الرطوبة التي تتكون عند ذوبان الثلج. ولهذا، فقد نصبوا شباكا من الخيزران حول النعش. شباك الخيزران في ذاتها ليست كافية لإزالة الرطوبة، لذا فقد استفادوا من الأعشاب البحرية أيضا. الأعشاب البحرية الجافة، ممتازة لامتصاص الرطوبة، كانت تكوم حول النعش كمانع للرطوبة. وكانت تستخدم كتل من الأعشاب البحرية خلال الجنازة الرسمية. وبدل أن ترمى هذه الأعشاب البحرية بعد استخدامها كانت تجد طريقها إلى الأسواق، حيث تباع بأسعار متدنية للفقراء.

السؤال الأكبر عن الجنازة الرسمية: أين يدفن الملك ؟
في شهر تموز المنصرم أصيبت مجموعة من مهندسي المعمار المهتمين بالمناظر الطبيعية الأوروبية بعد أن قامت بجولة في بعض القبور الملكية لعصر جوسون، بما في ذلك "كوانغنونغ" (قبر العاهل السابع من مملكة جوسون، واسمه الملك سيجوه) في منطقة "ناميانغجو" ومقاطعة "كيونغي - دو"، أصيبت بدهشة كبيرة لما رأوه فيها. فقد صرخوا بصوت واحد قائلين: "إن تناغم الطبيعة وأدوات الدفن البارعة ونماذج الحدائق ذات المناظر الطبيعية في أوروبا قد تم تحقيقها في القبور الملكية لمملكة جوسون".
جميع قبور عائلة جوسون الملكية مبنية في بقع جميلة محاطة بالغابات وتقطعها المياه المتدفقة. حتى في مركز المدينة، فالمقابر الملكية تراث ثقافي نفيس ومكان لراحة ساكني المدينة. كيف تأتى وضع مقابر جوسون الملكية في هذه البقع مع تلال منخفضة، وغابات وجداول وأنهار؟
فالملك الملقى في النعش لمدة خمسة أشهر، لا بد في النهاية أن يدفن. السؤال الأكثر إلحاحا في مراسيم جنازة الملك يبقى، هو: "أين يجب أن يدفن الملك؟"
أولت مملكة جوسون أهمية كبيرة لمبادئ الضرب بالرمل، ليس فقط عند اختيار موقع القبر، ولكن أيضا عند اختيار العاصمة وإنشاء مباني القصور. عندما يذكر الضرب بالرمل هذه الأيام، معظم الناس يفكرون في العثور على موقع قبر. الغرض الأصلي من الضرب بالرمل هو ضمان أن البشرية والطبيعة يعيشان في تناغم وانسجام، ولكن نظرة على حروف الكلمة باللغة الكورية (التي تعني حرفيا الهواء والماء) لا يمكن إلا أن تجعل ما يقفز إلى الذهن هو موقع قبر، وقرية، وبيت. بطريقة ما، هذا يناسب ذاك لأن حياتنا وموتنا لا ينفصلان عن الأرض التي نقيم فيها.
الجبل الرئيسي خلف القبر أو البيت يقال إنه يحجز الرياح، بينما الطريق المائي يقال إنه يحجز طاقة التراب ويمنعها من التدفق بعيدا، وهاتان الفكرتان تختصران بالهواء والماء.
وقد دخلت عملية الضرب بالرمل إلى كوريا خلال فترة الممالك الثلاث وكانت سائدة من نهاية عصر شيللا حتى فترة كوريو امتدادا لفترة جوسون حيث التزمت الدولة الكونفوشيوسية بشكل كامل بمبادئ الضرب بالرمل. أفضل النماذج هي هذه القصور والقبور الملكية. كانت جوسون كونفوشيوسية من الخارج ولكنها كانت تتبع الضرب بالرمل من الداخل.
يؤمن الملك بأن والده، الملك السابق، يجب أن يدفن في موقع فسيح لكي تكون عائلته الملكية التي تخلفه قوية وتسير على نهجه.
من بين الـ 27 حاكما من مملكة جوسون، فإن الملك سيجوه (1417-1468) والملك جونغجوه (حكم ما بين 1752-1800) كانا الأكثر معرفة بالضرب بالرمل. غير سيجوه نمط القبور الملكية لمملكة جوسون حيث أمر بأن تكون حجارة الدفن من الجص بدلا من الحجر، واللحد الحجري يستبدل بآخر من خشب، وأن توضع الحجارة مستوية حول قاعدة متراس الدفن بشكل متقطع. بفضل الملك سيجوه، فإن العمل الإجباري على الشعب انخفض إلى النصف. وعندما يبنى القبر الملكي، كان العمل الإجباري ينفذ من قبل الشعب في جميع أنحاء البلاد، وكان على عامة الشعب أن تحضر معها الطعام والعمل لمدة أسبوعين قبل أن يتم استبدالها بمجموعة أخرى. خلال فصل الزراعة الذي تكثر فيه الأعمال، كان الكهنة البوذيون يجندون إلزاميا للعمل بدلا من المزارعين.
تبين السجلات أن 7000 شخص تتم تعبئتهم للعمل الإجباري في تجهيز "تشانغنونغ"، قبر الملك "ييجونغ"، بينما استُخدم 5000 عامل إجباري، 150 صانعا ماهرا، وحوالي 240000 لتر من الأرز، وحوالي 7500 لتر من الملح لنقل قبر الملك سيجونغ.
منذ فترة طويلة، فإن ملوك جوسون الذين كانت لهم سلطة ملكية قوية بدأت تسيطر عليهم فكرة جلب الحظ السعيد والثروة لمن يخلفهم، وقد بنوا القبور الملكية بناء على مبادئ الضرب بالرمل. وقد جاء هذا من الرغبة في الاستمرار في حماية السلطة الملكية جيلا بعد جيل. كانت مملكة جوسون هي التي أسست أيضا شكلا للنهوض في العالم من خلال الكونفوشيوسية وتحقيق النجاح من خلال الضرب بالرمل. وعلى ذلك فإن وزراء الدولة درسوا الضرب بالرمل بشغف استثنائي، فقتل عصفورين بحجر واحد يضمن لهم نجاحهم وشهرتهم ويضمن حظا سعيدا لخلفهم.
في عائلة بنيت على نظام القيمة والتميز الكامل، فالشخص الأول في الدولة الذي يتمتع بحقوق وامتيازات الضرب بالرمل هو الذي يسيطر على السلطة المطلقة، أي الملك نفسه. بعده يأتي النبلاء من العائلات المميزة، ولكن مهما كان علو المنزلة التي يتمتعون بها فقد كان من الشائع أن يجبروا على نقل العشرات وحتى المئات من قبور أجدادهم فورا إذا ما تم اختيار أراضي مقابرهم موقعا لقبر ملكي فحتى قبر الأمير "كوانغبيونغ" الابن الخامس للملك سيجونغ والعم الأكبر للملك "سونغجونغ" (حكم 1469-1494)، لم يكن استثناء من ذلك عندما تم اختيار الموقع ليكون قبرا للملك "سونغجونغ".
في العادات الكورية في الدفن يمنع استخدام أي موقع استخدم يوما ما قبرا، إذن فلماذا كانت هذه المواقع تؤخذ من الآخرين وتستخدم لبناء مقابر للملوك والملكات؟ في ذلك الوقت كان الضرب بالرمل سرا خاصا بالدولة وقد كان معروفا فقط من قبل أقلية صغيرة جدا، وبالتحديد، الملوك والنبلاء. وكانت قبور الملوك والملكات محاطة بمناطق محظورة تبلغ أقطارها عدة كيلومترات، ولا يجرؤ العامة أبدا على التطفل للدخول فيها، كما كانت إجراءات الجنازة أيضا تعتبر أسرارا مطلقة.

طقوس الدفن
كان هناك قانون يقضي بأن كل القبور باستثناء القبور الملكية يجب أن تحفر على عمق يتراوح بين 1. 5-1. 6 متر، وعقوبة من يخالف هذا القانون كانت شديدة. من جهة أخرى، فإن القانون العام للمقابر الملكية هو أن تحفر على عمق يتراوح بين 3. 2-3. 3 متر. وتم اختيار هذا العمق لأن حيوية الأرض في هذا العمق سوف تضمن حظا سعيدا لخلفاء الملك، وقد كان سرا مطلقا للملكية مترسخا في الضرب بالرمل. فلو أن وزيرا من الدولة أو فردا آخر من العائلة الملكية قلد هذا الأمر فإن الجميع ممن حوله يعلمون أن هذا يبيح دمه.
التزمت قبور ملوك جوسون بمبدأ الاستفادة من الطوبوغرافية الطبيعية (تضاريس الأرض) فهم يحركون فقط 10% من التراب لكي يستخدم للموقع. بالنسبة لهم الموت نفسه كان يعني العودة للطبيعة، والضرب بالرمل نص على أن الأرض غير المخدوشة فقط هي التي يمكن أن تعطي الجسد حيوية. وبناء على ذلك، فإن المقابر الملكية لمملكة جوسون التي جسدت فكرة الولادة من الأرض والعودة إليها، لم تكن نتيجة لإقامة البناء بطريقة فريدة، ولكن نتيجة لاعتناق مبدأ استغلال الطبيعة. وعلى عكس المقابر الإمبراطورية لعصري "مينغ" Ming و"كينغ" Qing في الصين، التي لها جدران عالية حول متاريس الدفن، فإن القبور الملكية لعصر جوسون لها أجمات من الأشجار بدلا من الجدران. فإذا رؤيت من مكان بعيد، بدت هذه الغابات مثل أمواج خضراء، ولهذا أصبح هذا الجدار الطبيعي يسمى البحر الأخضر.
هناك طاقة واضحة ومنعشة حول المقابر الملكية لملوك وملكات جوسون. وطبقا لخبراء الضرب بالرمل، فإن هذا سببه أن هذه المواقع الفسيحة تحظى بتدفق جيد من الطاقة والحيوية. وهناك العديد من الأماكن بالقرب من قصور جوسون الملكية والمقابر الملكية لا تلتقط الهواتف الخلوية فيها الإشارة، ويقول الخبراء إن هذا أيضا سببه تقاطع "كي" (بمعنى طاقة).
يمكن القول إن الضرب بالرمل هو جغرافية طبيعية بدأت مع رغبة البشرية الأكيدة في ولادة البشر في حضن دافئ من الطبيعة والعودة إلى الطبيعة لنوم مريح هادئ، وقد كانت القبور الملكية لعصر جوسون أمينة في الالتزام بهذا المبدأ. ولهذا فإن مدافن جوسون الملكية تراث ثقافي يعبر عن رؤية شعب جوسون للطبيعة، التي لا تفسد أو تشوه فقد استخدمت الطوبوغرافيا الطبيعية إلى أقصى درجة ممكنة، بحثا عن الاندماج التام بين الطبيعة والبشر.

موكب جنائزي ضخم
عندما يتم اختيار موقع القبر بعد التشاور مع عدد كبير من الخبراء في الضرب بالرمل، وعندما تنقضي فترة الجنازة يأتي اليوم الذي سوف يغادر فيه الملك المتوفى القصر الملكي إلى الأبد ويعود إلى التراب.
ما بين خمسة إلى عشرة آلاف شخص كانوا يشاركون في موكب الجنازة ويمشون إلى موقع الدفن. دعنا نتصور أن عدد سكان شعب مملكة جوسون كان مابين بين 5 إلى 7 ملايين كحد أقصى. فلو تخيلنا موكبا يتألف من عدد غير محدود من الأعلام الحريرية والأنسجة المطرزة التي تصور إنجازات الملك، وأعداد لا حصر لها من الملحقات، بما في ذلك تابوت الملك، والخيول المزينة بالأجراس المجلجلة، والملك والمسؤولين المدنيين والعسكريين، وسيدات وخصيان القصر، فإن المنظر يجب أن يكون مثيرا في النفس إلى مدى بعيد.
العديد من المواكب الجنائزية لملوك جوسون كانت تبدأ في الليل وفي هذه الحالة يحمل 500 شخص مصابيح يدوية. يمتد الموكب عادة لـنحو 4 كيلومترات، وهناك أفراد من العامة يرتدون ملابس خاصة بالحداد يقفون على جانبي الطريق ليلقوا على ملكهم كلمة الوداع الأخيرة.
موكب جنازة الملكة "إينسون" زوجة الملك "هيوجونغ" (حكم من 1619-1659) بدأ في 28 أيار 1674، وانطلق من سيول إلى "يونغنونغ" بمنطقة "يوجو"، مقاطعة "كيونغي - دو" عن طريق نهر "هان" واستغرق ثلاثة أيام بلياليها. وقد تم استخدام ما مجموعة 150 قاربا عمل فيها 3690 بحارا.
دفنت هذه الملكة يوم 4 حزيران، وقد أجبر الرهبان من مختلف أنحاء الدولة على خدمة هذا الموكب الجنائزي، وكانوا يحملون معهم طعاما يكفي لحوالي 3200 شخصا لمدة أسبوعين، . عدد العاملين الإجباريين الذين بنوا الضريح كان قليلا جدا، وذلك لأن قبر الملك (زوجها) المتوفى قبلها كان مبنيا من قبل، فلم تكن هناك حاجة لمنشآت جديدة مثل الضريح الذي على شكل حرف تي، وأماكن إعداد الطعام للطقوس.
تقول السجلات بأن ما يقارب 6770 شخصا بمن فيهم حملة تابوت الجنازة، رافقوا موكب جنازة الملكة "إينيول" زوجة الملك "إينجوه" (حكم من 1595-1649) التي حملت من القصر حوالي الساعة الثالثة صباحا.

الجنائز الرسمية لرجال الدولة والسياسيين
كانت للجنائز الرسمية في الدولة التزامات وأعمال هائلة تتطلب الكثير من المال والعمالة كأي مشروع وطني آخر، وكان هذا أول شأن من شؤون الدولة يقوم به الملك المتوج حديثا خلفا للملك المتوفى. بعد أن تنتهي الجنازة الرسمية، يقوم الملك بالثناء على المسؤولين ويكافئهم، وبخاصة الذين لعبوا دورا هاما. فالمسؤولون الذين أوصوا بمواقع فسيحة رائعة ووزراء الدولة الذين كانت آراؤهم تتبع خلال الجنازة كانوا يرقون في رتبهم، لذا كانت فرصة مثالية لهم لكي يعرفوا الاتجاهات الشخصية لحاكمهم الجديد ويضمنوا مستقبلهم معه. هذا البرنامج الطويل للجنازة الذي يصاحب موت الملك أعلى شخصية بالسلطة في عصر جوسون، يتيح فرصة للملك الجديد لينظم سلطته السياسية التي يحتاج إليها لحكم البلاد.
بشكل خاص، كان هناك تغيير كامل في موظفي الدولة يجرى طبقا للاتجاهات السياسية للملك الجديد خلال عملية اختيار موقع القبر الملكي. فيمكن للملك أن يتخلص من المسؤولين غير المرغوب فيهم أثناء مناقشته وبحثه لأمر موقع القبر الملكي لدعم مركزه السياسي.
وفي حين أن الجنازة الرسمية كانت جنازة الملك فهي أيضا عملية تأمين مصالح سياسية باسم الضرب بالرمل. وطبقا لمبدأ أن الخمر الجديد لا بد أن يسكب في زق (وعاء جلدي )، فإن الجنازة الرسمية كانت وقتا مناسبا ليحيط الملك الجديد نفسه بأولئك الذين يدعمونه ويتخلص من تلك النخبة التي خدمت الملك السابق. القبور الملكية لعصر جوسون هي تلك البقايا التاريخية التي تصور بشكل واقعي ارتفاع وهبوط مملكة جوسون. إذا نظرنا إلى القبور الملكية فإن رمز السلطة المطلقة ـ هذا المبدأ الذي تأسس في فترة جوسون الوسطى ـ فيمكننا أن نرى تغييرات في مخططاتها ومواقعها. كما يمكننا أن نرى السلطة الملكية قد اهتزت وأن تأثير الوزراء قد ازداد. في نهاية عصر جوسون فإن إرادة وأمر الوزراء أصبح أكثر أهمية من إرادة الملك في عملية اختيار موقع القبر، وهذا ارتبط بانحدار مركز العائلة الملكية.
يقال إن فترة ملوك جوسون بدأت بقبر ملكي وانتهت بقبر ملكي. كانت قبور ملوك جوسون هي المهمة السياسة الأولى التي تواجه الملك الجديد فهي نهاية سلطته وهي المكان النهائي الذي يستريح فيه.
إن أضرحة ملوك جوسون التي يبلغ عددها 42 قبرا، ليست مجرد قبور لملوك وملكات، فهي سجلات لحكم مملكة جوسون وتاريخها السياسي الذي استمر 518 سنة، كما أنها تصور الحالة الاقتصادية والإدارية إضافة إلى بلورتها لثقافة الضرب بالرمل، والحفاظ على مناظر الطبيعة والفن المعماري والأعمال الحجرية، واللباس، والبروتوكول. وعلى هذا فإننا عندما نلقي نظرة على مقابر ملوك جوسون، فإننا نرى تاريخ مملكة جوسون.

▲ المقال السابق الوضع الحالي والمستقبلي للأراضي الكور...
▼ المقال اللاحق الجمال الرائع للقبور الملكية لمملكة ج...
 
 
 
هذا العدد
 
العدد الماضي
2014SPRING
2013WINTER